تطرح الكاتبة رجاء عبد الحق أن مطالب نزع سلاح المقاومة في غزة لا تأتي كشرط “تقني” لإعادة الإعمار، بل تعمل كأداة لإجبار الفلسطينيين على مفاضلة قاسية بين البقاء البيولوجي للمجتمع وبين بقاء القضية الوطنية نفسها. وترى أن إسرائيل، بعد أشهر من وقف إطلاق النار، تواصل قتل الفلسطينيين بأشكال متعددة؛ مرة بالقصف والرصاص، ومرة بالبرد والمطر وسوء التغذية المفروض، لتجعل الأزمة الإنسانية وسيلة إخضاع رئيسية عندما تفشل أدوات الحرب المباشرة في فرض الاستسلام.

 

تشرح ميدل إيست آي أن الولايات المتحدة وإسرائيل تضعان “نزع السلاح” شرطاً مسبقاً لإعادة إعمار غزة، ما يدفع المقاومة إلى زاوية مستحيلة: إما التخلي عن حق المقاومة المسلحة مقابل احتياجات الحياة الأساسية، أو تحمّل استمرار المعاناة مع بقاء السلاح. وتجادل المقالة بأن صياغة الشرط بوصفه ثمناً “معقولاً” لتخفيف الكارثة تُخفي هدفاً أعمق يتمثل في استكمال مسار التهجير والإقصاء.

 

تغيير الشروط: من الأسرى إلى السلاح

 

 

تقول الكاتبة إن إسرائيل استخدمت خلال ذروة الحرب ملف الأسرى ذريعة لتبرير التطهير العرقي والتدمير المنهجي للبنية المدنية، فاستهدفت مستشفيات ومدارس وكنائس ومساجد وعمارات سكنية تحت عناوين “الدفاع عن النفس” و“تدمير الأنفاق” و“تحرير الأسرى”. ثمّ، بعد الإفراج عن الأسرى، لا تتوقف آلة الإبادة في نظرها، بل تغيّر إسرائيل “قواعد اللعبة” وتستبدل ذريعة الأسرى بذريعة “سلاح المقاومة”.

 

ترى رجاء عبد الحق أن السلاح يمنح إسرائيل وقتاً مفتوحاً لمواصلة الحرب: يكفي وجود بندقية واحدة، أو حتى سكين مطبخ، كي تواصل تل أبيب القتل والحصار تحت شعار “نزع السلاح”. وتعتبر أن التركيز على نزع السلاح في حديث “اليوم التالي” ليس تفصيلاً تفاوضياً، بل لبّ مشروع يسعى إلى كسر روح المقاومة الفلسطينية وتحويل غزة إلى مساحة منزوعة الإرادة.

 

الاستعمار الاستيطاني: مشروع “صفر-صفر”

 

 

تربط الكاتبة هذا الشرط بسردية تاريخية أوسع حول الصهيونية بوصفها مشروعاً استعمارياً استيطانياً ذا طبيعة “صفرية” لا يترك مكاناً لشعبين ودولتين، بل يعمل على إحلال جماعة محل أخرى عبر نزع الأرض والذاكرة والحق. وتستعيد تأسيس إسرائيل عام 1948 عبر قتل الفلسطينيين وتدمير مئات البلدات وتهجير غالبية السكان لإفساح المجال أمام مستوطنين جدد، لتؤكد أن “الإزالة” لا تتوقف عند حدود الحرب الآنية.

 

ثم تشير إلى أن الاستعمار الاستيطاني لا يكتفي بالإقصاء المادي، بل يقطع الصلة بين السكان الأصليين والأرض، فيعمل على محو التاريخ والثقافة والهوية. وتعرض مثال “تهويد القدس” عبر تغيير الطابع الديني والثقافي للمدينة، ومصادرة البيوت والمتاجر، وتوسيع الاستيطان، وتغيير أسماء الشوارع من العربية إلى العبرية، بما يجعل المدينة أقل ألفة لأهلها الأصليين.

 

وترى أن الفلسطينيين، رغم ذلك، يتمسكون بعلاقاتهم الروحية والتاريخية بالأرض، ما يدفع إسرائيل—بحسب طرحها—إلى الانتقال من سياسة تهجير جسدي سريع إلى “تهجير نفسي/أخلاقي” يهدف إلى تحطيم المعنى الداخلي للثبات.

 

تحويل الفلسطيني إلى “كائن بيولوجي” بلا سياسة

 

 

تجادل الكاتبة بأن حملة “نزع السلاح” تستهدف تحويل الفلسطيني من فاعل سياسي إلى “كائن بيولوجي” تسهل إدارته: يعيش كي يبقى فقط، لا كي يطالب بحقوق أو يملك مشروعاً وطنياً. وتصف محاولة إدارة الموت بوسائل أقل “ضجيجاً” مثل تقنين الغذاء ومنع الماء والدواء بدل القصف، بما يحقق استعماراً أقل كلفة وأقل إحراجاً أخلاقياً أمام العالم.

 

وتقول إن الفلسطينيين تمسكوا بحق المقاومة منذ ما قبل وعد بلفور، لأن المقاومة—في تصورها—تمثل الأداة الوحيدة القادرة على تعطيل بنية الإقصاء الدائمة. وتربط بين نزع الإنسانية عبر الخطاب العنصري والعنف المادي وبين نشوء المقاومة بوصفها استعادة للإنسانية وإعلاناً للوكالة السياسية. وتؤكد أن المقاومة تصبح ضرورة نفسية وجسدية في ظل الإفلات من العقاب والدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل.

 

في هذا الإطار، ترفض المقالة تصوير الخيار كصفقة بسيطة بين “سلاح مقابل خبز”. تصف الكاتبة الخيار بأنه فخّ، لأن القبول بنزع السلاح لا يضمن حياة كريمة ولا يحمي من الإخضاع، بينما يفتح الباب—بحسب رؤيتها—لاستكمال الإزالة بلا ثمن، إذ يمنح إسرائيل شرعية كاملة للسيطرة على الأرض وعلى حياة السكان.

 

تختم رجاء عبد الحق باستعارة أدبية من رواية غسان كنفاني “رجال في الشمس”، حيث اختار اللاجئون الصمت فاختنقوا. وتدعو الفلسطينيين إلى مواصلة “الطرق على الجدار” حتى نيل التحرر، لأن الصمت في نظرها يعني موتاً بطيئاً، بينما يعني نزع السلاح “انتحاراً وطنياً” لا يقتل البندقية وحدها بل يقتل حق الشعب في الأرض والهوية والمعنى.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/why-disarming-palestinian-resistance-would-mean-national-suicide